الحلبي
354
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ذلك سببا لوقعة بغاث ، فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد ، وأسلم المجذر بن زياد وشهدا بدرا ، فجعل الحارث يطلب مجذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه كما تقدم ، فلما كان يوم أحد رجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه ، قيل وقتل أيضا قيس بن زيد . فنهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه وهو شدة الحر في يوم حار ، فخرج إليه الأنصار من أهل قباء رضي اللّه عنهم ومنهم الحارث بن سويد وعليه ثوب مورّس . وفي لفظ في ملحفة مورسة . وفي لفظ في ثوبين مضرّجين . وفي لفظ ممرّضين ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عويمر بن ساعدة بضرب عنقه ، أي فقال له : قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد واضرب عنقه ، وقيل أمر عثمان بن عفان بذلك ، فقدم ليضرب عنقه ، فقال الحارث : لم يا رسول اللّه ؟ فقال : بقتلك المجذر بن زياد وقيس بن زيد ، فما راجعه الحارث بكلمة ، فضرب عنقه . قال : وفي رواية أن الحارث قال : واللّه قتلته : أي المجذر ، وما كان قتلي إياه رجوعا عن الإسلام ولا ارتيابا فيه ، ولكن حمية من الشيطان ، وإني أتوب إلى اللّه ورسوله مما عملت ، وأخرج ديته ، وأصوم شهرين متتابعين ، وأعتق رقبة ، فلم يقبل منه النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك انتهى . ولم يذكر قتل قيس بن زيد ، ولعله اكتفى بذلك في قتله الحارث ، ويعلم استحقاقه القتل بقتل قيس بن زيد بطريق أولى . أي وكان في هذه السنة الثالثة مولد الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ، وسماه حربا ، فسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحسن ، أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم لما جاء قال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ قال عليّ حربا يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : هو حسن ، وحنكه صلى اللّه عليه وسلم بتمر . وكان في هذه السنة تحريم الخمر . وقيل كان تحريمها في السنة الرابعة وهو محاصر لبني النضير . وقيل كان تحريمها بين الحديبية وخيبر . وقيل كان بخيبر قال صلى اللّه عليه وسلم « الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة » وفي رواية « الكرمة والنخلة » وفي رواية « الكرم والنخل » كذا في مسلم . ولعل ذكر الكرم كان قبل النهي عنه ، وإلا ففي مسلم « لا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم وفي رواية « فإن الكرم قلب المؤمن » أو قيل ذلك بيانا للجواز إشارة إلى أن النهي للتنزيه . وقد حرمت الخمر ثلاث مرات : الأولى في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ البقرة : الآية 219 ] أي القمار قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [ البقرة : الآية 219 ] فإنه صلى اللّه عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ، ويأكلون القمار ، فسألوه عن ذلك فنزلت الآية . الثانية أن بعض الصحابة صلى بأصحابه صلاة المغرب وهو سكران فخلط في القراءة ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [ النّساء : الآية 43 ] ثم أنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ